الكويت ورقم قياسي في حلّ مجالسها النيابية

ليست قرارات حل مجلس الأمة (النواب) جديدة في الكويت، إذ بلغ عدد المجالس المنحلة ثمانية من أصل 15 مجلساً منتخباً في تاريخ الدولة، إضافة الى مجلسين تمّ إبطالهما عام 2012.

هذه الحقيقة تقود الى استنتاج أن الديموقراطية الكويتية التي تكرست في دستور 1962 لا تزال تمر في مخاض، وأن أحلام المؤسسين تجد دوماً ما يعيق تحققها بالكامل.

والحال أن الكويت وقعت منذ قيامها كدولة مستقلة بين سندان المطامع العراقية بدءاً من عهد عبدالكريم قاسم وصولاً الى غزو صدام حسين، وتهديد التوسع الإيراني في زمن الشاه، خصوصاً في عهد خلفائه من مصدري الثورات المذهبية، ولم تجد الدولة سنداً إلا في عمقها الخليجي العربي، السعودي خصوصاً، وهو ما تجلى فور حصول الغزو العراقي وصولاً الى التحرير.

ولا تشبه الكويت في موقعها الجيوسياسي إلا لبنان الذي تعرضت تجربته الميثاقية والدستورية الى ضغوط المحيط الإقليمي في شكل كارثي. فقد واجه هذا البلد منذ الاستقلال أعباء قيام الدولة الصهيونية على حدوده وكشفها عن مطامعها في أرضه ومياهه، ثم شنّها ضده حروباً مديدة، وفي المقابل حضر النظام السوري بحجة مواجهتها فكشف عن رغبته في مد سيطرته ونفوذه وجعل لبنان ملحقاً أو محافظة سورية. وفي مثل هذه الظروف ضربت التجربة الديموقراطية البرلمانية اللبنانية الوليدة، ولم يسمح لها بالنمو الطبيعي وأُغرق السياسيون اللبنانيون في تفاصيل أبعدتهم عن سكة البناء الوطني السليم.

لم تكن قرارات حل أو إبطال مجلس الأمة الكويتي ناتجة في معظمها من التحديات الخارجية، لكن تلك التحديات كانت ماثلة دائماً في خلفية المشهد بنسب متفاوتة. في أغلب الحالات كان حل المجلس يبرر بأسباب سياسية ودستورية داخلية. ففي المرة الأولى عام 1976 كان السبب هو الخلاف بين الحكومة والمجلس، وفي الثانية عام 1986 صارت المواجهات بين الهيئتين وظاهرة الاستجوابات سبباً للحل، وقد حل المجلس عام 1999 استناداً الى تعسف النواب في استعمال الدستور، ومرة رابعة في 2006 بسبب الخلاف على قانون تعديل الدوائر الانتخابية. وفي 2009 بسبب عدم تقيد البعض بأحكام الدستور… إلا أنه منذ قرار حل المجلس في 2008 بدأت ترد تبريرات من نوع حماية الوحدة الوطنية والحفاظ على أمن الوطن واستقراره…

هذه المرة كان التفسير الأميري للحل واضحاً ومختصراً: إنها التحديات التي تفرضها الظروف الإقليمية وما تحمل من أخطار ومحاذير أمنية.

ليست الحيثيات في حاجة الى شرح مطول، فالأخطار المحيطة كبيرة فعلاً: معارك في العراق وحرب مدمرة في سورية ونشاط غير مسبوق يتهدد الأمن الداخلي للدولة ظهرت معالمه في تفجيرات وكشف شبكات تخريب متعددة الانتماءات، بعضها ينتمي لـ «داعش» والبعض الآخر يرتبط بإيران. وإجراء انتخابات مبكرة في مثل هذه الظروف هو عودة الى خيارات الناخبين من جهة وتعويل على تثبيت الديموقراطية سلاحاً في وجه الإرهاب والتخريب من جهة ثانية.

تساءل معلقون كويتيون: أما كان الأجدى الإبقاء على المجلس حتى إكمال ولايته العام المقبل؟ وحصر آخرون أسباب الحل بردود الفعل على احتمال رفع أسعار البنزين… إلا أن ثمة مشكلة عضوية يفترض أن تجد الانتخابات حلاً لها، وهي قدرة السلطة على اتخاذ القرارات الضرورية في الوقت المناسب. وهذه القرارات لا تنحصر بالتحديات الأمنية والإقليمية، بل تطاول أيضاً سياسات الدولة الاقتصادية والمالية. وليس عابراً تقرير وكالة التصنيفات الدولية «موديز» غداة إقرار إجراء انتخابات مبكرة، فهو يتحدث عن «تحديات مؤسسية تواجهها الكويت في تقليص اعتمادها المالي والاقتصادي على النفط»، وأحد التحديات هو «البيئة السياسية المتحررة التي تسمح بانتقاد السياسات الحكومية وتعطيلها…». والسؤال الكويتي المزمن هو: هل تتيح الانتخابات تغييراً في المناخ العام باتجاه نظام ديموقراطي فعال، أم يستمر «الضجيج السياسي» كما تراه «موديز»؟

* صحافي لبناني من أسرة «الحياة»

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s